خليل الصفدي

258

أعيان العصر وأعوان النصر

الأزهر ، وقرر نصيبا من الصدقات تخفى ، وعند اللّه تظهر ، وكان يجهز في كل سنة إلى الحرمين ستين قميصا ، ولا يجد كفه عن الجود محيصا . وكان يحرص على أن يسلم من عبيده ممن يميل إليه سرا يفعل ذلك خفية خيفة من أمه حتى لا ينال شرا فعل ذلك مع جماعة من غلمانه النصارى ، وأرقائه الذين هم في سكرة الجهل حيارى . ولم يزل في مراقي سعادة ، ومعارج سيادة إلى أن أمسك هو ، وأخوه - على ما سيأتي ذكره في ترجمة أخيه - وسلمه السلطان إلى الأمير سيف الدين قوصون فأصبح مذبوحا ذبح نفسه بيده ، ولم يمكن أحدا يتمكن من عقابه ، ولا فساد جسده ، وذلك في الثالث من شهر صفر سنة أربعين وسبعمائة . وكان - رحمه اللّه تعالى - ربعة حلو الوجه مليح العينين أقطف الجفون . وكان نظيف الملبس طيب الرائحة يغير قماشه في غالب الأيام مرتين ، وكان يفصل قماشه ، ويقول للخياط : طوله عن تفصيلي ، وكف الفضل إلى داخل فسألته عن ذلك فقال : أنا قصير ، وأهب قماشي لمن يكون أطول مني فإذا فتق ذلك الفضل جاء طوله . وكان كثيرا ما يهب قماشه ، وقلما غسل له قماشا إلا إن كان أبيض . وعمر دارا مليحة إلى الغاية على الخليج الناصري . وكتبت أنا إليه لما اهتدى : أنت أهدى للخير من أن تهدى * يا عزيزا بكلّ غال يفدى هذه السّعود ، والفضل أولى * حزتها من مليك عصرك نقدا هكذا الهمّة النّفيسة في النّا * س إذا حاولت من اللّه رشدا كيفما كنت لم تزل في الأيادي * والمعالي ، والفضل ، والبرّ فردا أينما سرت في طريق المعالي * تتلقّى في كلّ أمرك سعدا سوف ترقى مراتب السّعد حتّى * يفتدي الدّهر طائعا لك عبدا ولعمري قد قلّد اللّه هذا ال * عصر من سعيك الموفّق عقدا وإذا سدت في الشّباب فما ذا * لك من بعد أن بلغت الأشدّا أنت ذو فطنة من النّار أذكى * وبنان من السّحائب أندى ومحل كالنّجم لمّا تعلّى * ومحيّا كالبدر لمّا تبدّى إنّ منكم للملك لمّا ظهرتم * شرفا زاده علوّك مجدا شرف قد علا على الشّمس قدرا * ما تعدّى لمّا عليها تعدّى